صديق الحسيني القنوجي البخاري
578
فتح البيان في مقاصد القرآن
الحيات وأخبثها وأخفها جسما ، وقيل : إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح معروف باليمن يقال له الأستن ، ويقال له الشيطان ، قال النحاس : وليس ذلك معروفا عند العرب ، وقيل : هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين ، وقيل : هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة ، فالكلام حقيقة وقيل : إنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات . فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ لشدة جوعهم أو لقهرهم على الأكل مِنْها أي من الشجرة أو من طلعها ، والتأنيث لاكتساب الطلع والتأنيث من إضافته إلى الشجرة فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 67 إلى 74 ] ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ( 68 ) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ( 70 ) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ( 71 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ( 72 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 74 ) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها أي على الشجرة بعد الأكل منها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ الشوب الخلط ، قال الفراء : يقال شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبها شوبا وشيابة ، وقال ابن عباس : شوبا مزجا أي يخالط طعامهم ويشاب بالحميم وهو الماء الحار ، فأخبر اللّه سبحانه أنه يشاب لهم طعامهم من تلك الشجرة بالماء الحار ليكون أفظع لعذابهم وأشنع لحالهم كما في قوله : وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [ محمد : 15 ] قرأ الجمهور : بفتح الشين وهو مصدر وقرأ شيبان النحوي بالضم ، قال الزجاج : المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض . ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ بعد شرب الحميم وأكل الزقوم لَإِلَى الْجَحِيمِ وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج الجحيم كما تورد الإبل ثم يردون إلى الجحيم كما في قوله سبحانه : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن : 44 ] وهذا قول الأقل والجمهور على أنه داخلها وأنهم لا يخرجون أصلا ، وقيل : إن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها . قال أبو عبيدة : ثم بمعنى الواو ، وقرأ ابن مسعود : ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم وعنه قال : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء أهل الجنة وأهل النار ، وقرأ : إن مقيلهم لإلى الجحيم . إِنَّهُمْ أَلْفَوْا أي وجدوا آباءَهُمْ ضالِّينَ تعليل لاستحقاقهم ما تقدم ذكره ، أي صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم تقليدا وضلالة ، لا لحجة أصلا قال أبو السعود : أي بتقليد آبائهم في الدين من غير أن يكون لهم أو لآبائهم شيء يتمسك به أصلا .